أخباردين وحياة

كلمة شيخ الأزهر بندوة «الإسلام والغرب.. تنوع وتكامل‬»

ألقى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الإثنين، الكلمة الرئيسية فى افتتاح أعمال الندوة الدولية “الإسلام والغرب.. تنوع وتكامل” التى ينظمهما الأزهر الشريف بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، بمركز الأزهر الدولى للمؤتمرات.

وأشار شيخ الأزهر الشريف إلى أن الشرق: أديانًا وحضاراتٍ، ليست له أيَّة مُشكلة مع الغرب، سواء أخذنا الغرب بمفهومِه المسيحى المتمثل فى مؤسَّساته الدينيَّة الكبرى، أو بمفهومِه كحضارة علميَّة ماديَّة، وذلك من منطلق تاريخ الحضارات الشرقيَّة ومواقفها الثابتة فى احتِرام الدِّين والعِلم أيًّا كان موطنهما وكائنًا من كان هذا العالِم أو المؤمن.

وأوضح الطيب أن انفِتاح الأزهر الشريف على كل المؤسَّسات الدينيَّة الكبرى فى أوروبا حـديثًا، والتجـاوبُ الجـاد المسـؤول من قِبـل هـذه المؤسَّسات الغربية -أقوى دليل على إمكانيَّة التقارُب بين المجتمعات الإسلاميَّة فى الشرق والمجتمعات المسيحيَّة فى الغرب، وأنَّ هذا التقارُب حَدَثَ ويُمكِن أنْ يحدُث.

وأكد الإمام الأكبر أن مناهج الأزهر بأصالتها وانفتاحها الواعى على الحكمة أنَّى وُجِدَت، هى التى “تصنع العقل” الأزهرى المعتدل فى تفكيره وسلوكه، والقادر دائمًا على التكيُّف مع العصر وإشكالاته ومعطياته.

وننشر النص الكامل لكلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله والصَّلاة والسَّلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

السادة أعـلام المنصة، الضيـوف الأعـزاء، الحفــــل الكــــــريم، السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه.

ومَرْحَبًا بِكُم فى مصر المحروسة مُلتَقى الحضـارات وحاضِنَـةِ العلــوم والثقافات، ووادى النِّيل وأرضِ الأهرامات وبلد الأزهر الشريف أقدم المعاهد العلميَّة وشيخ الجامعات.. حللتم أهلًا، ونزلتُم سَهْلًا.. طبتُم وطابت رحلتكم وطاب مُقامكم.

وشُكْرًا من الأزهر الشَّريف ومؤسَّساته، لاستجابَتِكُم الكريمة للمُشاركةِ فى هذه الندوة الدوليَّة من ندوات الحوار بين الشَّرقِ والغرب، والتى أرجو أنْ تأتيَ ندوةً مُثمرة مُتميِّزة فى مناقشةِ أمر العلاقة بين الإسلام والغرب، مناقشةً تتأسَّس على المصارحة والمكاشفة، وتأخذ فى الحسبان الظروف القاسيةَ التى تُعانى منها شعوبنا هنا فى الشَّرقِ، وتحتاج إلى تفكيرِ الحُكماء وتدبير العُقلاء من أمثالكُم.

السَّيِّداتُ والسَّـادَةُ!

فكَّرتُ طويلًا فى الكلمة التى ينبغي أن أُسهم بها فى ندوتنا هذه، ووجدتُني فى حالة تُشبه حالَة المُضطر للحديثِ في موضوعٍ مكرورٍ، فقد قيل فيه كلامٌ كثير، وصَدَرَتْ بيانات وتوصيات لا يُستهان بقَدْرِها في الدَّعوةِ إلى الحوارِ بين الحضارات، وضرورة الالتِقاء على أمرٍ جامعٍ بينها من أجلِ إنقاذ عالَمنا المعاصر من مخاطر الصِّراع والسَّلام المتوتِّر، وحروب الأمس الباردة، وحروب اليوم الملتهبة. ورُغم هذه الجهودِ المشكورة من حكماء الغرب والشرق، إلَّا أنَّ الطريقَ لا يزال وَعْرًا، وأنَّ جهدًا أكبرَ يجب أن يبذل، وقد تأمَّلتُ هذه المفارقة اللامنطقية بين الواقع والمأمول، وبدا لى أنَّ السبب قد يعود إلى وجود عقبات على طريق الحوار، وأنَّ الاشتغال بالتركيز على هذه العقبات: تشخيصًا وعلاجًا رُبَّما كان أجدى وأكثر اختصارًا لهذا المشوار الطويل.. ومن هذا المنظور تأتى كلمتى التى أُسهم بها فى هذه الندوة، والتى سأوجزها فيما يشبه الخواطر والتأمُّلاتِ وأحلامَ اليقظة أيضًا.

وأوَّلُ ما أوَدُّ تأكيده أمام حضراتكم فى هذا الشأن هو اقتناعى بأن الشرق: أديانًا وحضاراتٍ ليست له أيَّة مُشكلة مع الغرب، سواء أخذنا الغرب بمفهومِه المسيحي المتمثل فى مؤسَّساته الدينيَّة الكبرى، أو بمفهومِه كحضارة علميَّة ماديَّة، وذلك من منطلق تاريخ الحضارات الشرقيَّة ومواقفها الثابتة فى احتِرام الدِّين والعِلم أيًّا كان موطنهما وكائنًا من كان هذا العالِم أو المؤمن.

وما أظنُّ أنَّ هذه القضيَّةَ بحاجةٍ إلى البرهنة والاستدلال، فحضارة الأندلُس فى قلبِ أوروبا قديمًا، وانفِتاحُ الأزهر الشريف على كل المؤسَّسات الدينيَّة الكبرى فى أوروبا حـديثًا، والتجـاوبُ الجـاد المسـؤول من قِبـل هـذه المؤسَّسات الغربية -أقوى دليل على إمكانيَّة التقارُب بين المجتمعات الإسلاميَّة فى الشرق والمجتمعات المسيحيَّة والعلمانيَّة فى الغرب، وأنَّ هذا التقارُب حَدَثَ ويُمكِن أنْ يحدُث؛ وليس أمره كما قال الشاعر “كيبلنج”: “الشرق شرق والغرب غرب، وأبدًا لن يلتقيا”.

وهنا أتذكَّر بحوثًا حديثة لبعض الغربيِّين المختصِّين بقضية الحوار الإسلامى المسيحى، يستدعون فيها تاريخ النَّمط الأندلسى بثقافاته الثَّلاث: اليهوديَّةِ والمسيحيَّة والإسـلاميَّة، للاهتداء بهذا الأنموذج فى رسـم خارطـةٍ لمسـار الحوار الجارى حاليًا، وتصميم “إطـار نظرى وتطبيقي لقواعد هذا الحـوار وأغراضه الأساسية”، وخصوصًا بعد ما بُذلت جهودٌ غربيَّة مُعاصِرَة جاوبتها جهودٌ شرقيَّة لدفعِ مَسيرة الحوار بين الإسلام والغرب، فى مقدمتها: قرارات مَجْمع الفاتيكان الثاني “1962-1965″، وزيارة البابا بولس السادس لبعض الدول العربيَّة وعلى رأسها دولة فلسطين، وإعلانُ الأمم المتحدة تبنى مشروعَ تحالُفِ الحضارات عام 2004م، والذي شجَّعَ على عَقْد مُؤتمرات حوار عالميَّة فى الغرب والشرق، وكذلك زيارة البابا فرنسيس لمصر “فى أبريل الماضى”، ومشاركتهُ فى افتِتَاح مؤتمر الأزهر العالمى للسَّلام، وتبادل الزيارات بين الأزهر ورئيس أساقفة كانتربري، ومجلس الكنائس العالمى فى جنيف والكنيسة البروتِسْتَانتيَّة بألمانيا، وقد شَعَر هؤلاء المختصون بما يَشْعُر به كل مهموم بقضيَّةِ “السَّلام الضَّائع”، من المصاحب والمتاعِب التى تقف حجر عثرة فى طريقِ الجهود المبذولة محليًّا ودوليًّا، وتُباعد بينها وبين النتائج المحدودة التى تتمخَّض عنها هذه اللِّقاءات..

ومِمَّا يؤكِّد اقتناعى بأنه لا مشكلة للشرق أو الإسلام مع الغرب واقعُنا الذى نعيشه بحلوه ومُرِّه، وخيره وشَرِّه، مُنْذُ انفتحت أبواب المسلمين على الغرب فى القرنيين الماضيين وحتى اليوم؛ فمنذُ ذلك الحين والمسلمون يعتمدون شيئًا غير قليل من حضارة الغرب فى حياتهم نظريًّا وعمليًّا، وهذه مدارسنا وجامعاتنا، بل مدارس أطفالنا الأجنبيَّة التى يتحدَّثون فيها –بكلِّ أسف- الإنجليزيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة بأفضلَ مِمَّا يتحدَّثون العربيَّةَ، التى هى لُغة أمهاتهم وآبائهم وأوطانهم.

أقول: هذه المؤسَّسات التَّعليميَّة تُلَقِّن أبناءنا من المواد العلميَّة والأدبيَّة كثيرًا مِمَّا يتلقَّنه الطلاب الأوربيون فى جامعاتهم الغربية.. وهذه جامعة الأزهر، الجامعةُ الوحيدة التى تعتزُّ بدراسةِ التُّراث الإسلامى جنبًا إلى جنبِ المناهج التعليميَّة الغربيَّة الحديثة فى كليات الطِّب والهندسة والصيدلة والعلوم والزراعة وغيرها – هذه الجامعة بها كُلية لتعليم اللُّغات الأجنبيَّة، وتدريسِ آدابها فى أقسام علميَّة مختلفة، ويتردَّد فى ردهاتها أسماء روَّاد الأدب الغربى بمدارسِه المتنوعة، بل أذهب بعيدًا لأقول “إن أقسام الأدب العربى فى جامعاتنا تُدرِّس لطلابها العرب: مسلمين وغيرِ مُسلمين، كلَّ المذاهب النَّقديَّة المعروفة فى الغرب، وكذلك أقسام الفلسفة تدرّس طلابها كل مذاهب الفلسفة الغربية.. بل أذهب إلى أبعد من ذلك حين أقول إنَّنِى دَرَست الفلسفة فى كلية أصول الدِّين فى ستينات القرن الماضى على شيوخ أجِلَّاء.. درسوا فى جامعات أوروبا ونالوا شهاداتهم العليا على أيدى أساتذة أوربيين، وقد غرسوا فى نفوسنا احترام هؤلاء الأساتذة، وتوقيرَهم والاعترافَ بفضلهم حتى وإن اختلفنا معهم”.. وهذه السماحة التى حرص شيوخنا على تأديبنا بها، لم تكن انعكاسًا لما تعلَّموه فى أروقة جامعات الغرب بقَدْرِ ما هى انعكاس لفلسفةِ الإسلام فى تواصله مع الآخر: تأثرًا وتأثيرًا.. فهذا هو الفيلسوف المسلم “ابن رُشد” الذى تعرفه جامعـات الغرب وتعرفُ فضلَه على أوروبا فى القرون الوسطى، يؤصِّل فى نصٍّ بديعٍ، لا أمَلُّ من التذكير به، فى ضرورة النَّظَر العقلى ومشروعية انفِتاح المسلمين على ثقافات الآخرين، وضرورة الاستفادة من جهود السابقين عليهم، فى كل العلوم، بما فيها علوم الفلسفة، التى هى أخطر العلوم مساسًا بالعقائد والأديان.. يقول ابن رشد فى هذا النص: “يجب علينا إن أَلْفَيْنا لمن تقدَّمنا من الأُمَم السَّالفة نَظرًا فى الموجودات، أن ننظرَ فى الذى قالوه من ذلك، وما أثبتوه فى كتبهم: فما كان منها موافقًا للحقِّ قبلناه منهم، وسُررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبَّهنا عليه، وحـذَّرنا منه، وعذرناهم”.

والذى يقوله “ابن رشد” فى هذا النص لا يقوله تجمُّلًا للذات ولا مجاملة للآخر، وإنَّما يكشف فيه عن أصلٍ ثابت من أصول الإسلام فى الحث على البحث عن الحقيقة، وشُكْرِ مَن يكتشفها وعُذْرِ مَن يُخفق فى اكتشافها، وهذا ما نحفظه عن ظهر قلب عن نبى الإسلام ﷺ من أنَّ المجتهد الذى يصيب الحق له أجران من الله تعالى: أجر مشقَّةِ البحث وأجر اكتشاف الحق، والمجتهدُ الذى لا يصيب الحق فى اجتهاده له أجرٌ واحدٌ هو أجر عناء البحث ومكابدتهِ، فالباحث عن الحقيقة، والمؤهل لاكتشافها هو دائمًا فى فلسفة الإسلام: إمَّا مشكور وإمَّا معذور، ولا أظن أنَّ معادلة أخرى تبلغ من السَّماحة مع الغير ما تبلغه هذه المعادلة.

ومَنْ يشرفنا منكم أيُّها السَّـادة الضيـوف الفُضلاء بزيارة لكلياتنـا الأزهريَّة العريقة فى حَى الأزهر القديم يرى معهدًا لتعليم طلابِنا الذين هم شيوخُ المستقبل، اللُّغاتِ الأوربيَّةَ، وإعدادِ المتفوقين منهم للدراسات العُليا فى جامعات أوروبا، وهذا المعهد يشترك فى إدارته والإشراف عليه المركز الثقافى البريطانى، والمركزُ الثقافى الفرنسى، ومعهد جوته الألمانى، تحت مظلَّة مشيخة الأزهر الشريف.

هذه هى مناهج الأزهر بأصالتها وانفتاحها الواعى على الحكمة أنَّى وُجِدَت، هى التى تصنع العقل الأزهرى المعتدل فى تفكيره وسلوكه، والقادر دائمًا على التكيُّف مع العصر وإشكالاته ومعطياته.

وأمرٌ آخر قد يخفى على كثيرين فى أمر العلاقة بين الشرق والغرب، هو أنَّ كثيرًا من المظاهر الثقافية والحضارية الأوروبية متغلغلٌ اليوم فى عُمق ثقافتنا الشرقية، فى شتَّى ميادينها السياســيَّة والتعليميَّة والاجتماعيَّة والفنيَّة، وأن الاختلاف بين الثقافتين يكاد يكون محصورًا فى مجال الدِّين والعقيدة وما يرتبط بهما من قيم وتقاليدَ تاريخيَّةٍ وثقافية، لا مفرَّ منها لأى شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم تحرص على ثقافتها وتحميها من العُدوان والذوبان والاندثار.

السَّيِّداتُ والسَّادَة!

لعلَّكم تتفقون معى، بعد هذا السَّرد، فى أنَّ سؤالًا مشروعًا يفرض نفسه هنا وهو: أين هذا الإسلام المنغلق على نفسه، والمحبوسُ فى ماضيه، والذى يُشكِّل أتباعه خطرًا ماحقًا على حضارة الغرب ومنجزاته الكبرى فى علوم الكون والإنسان؟! وأين شعب من شعوب المسلمين يملك مصنعًا واحدًا من مصانع أسلحة الدَّمار الشامل، أو مَصْدَرًا واحِدًا من مصادر القُوَّة العنيفة الرَّادِعة ويُمْكِن أن يُقال عنه أنه يرعِب القُوى الدوليَّة، التى تتمتَّع “بكل أسف” بحرية لا سقفَ لها، في أن تقول ما تشاء، وتفعلَ ما تُريد، وتلوِّحَ بعصاها الغليظة لكل من يُعارضها، أو يجرؤ على التفكير فى مُراجعتها.

إنَّ المشكلةَ “فيما أعتقد” وقد أكون مصيبًا وقد لا أكون، تكمُن فى هذه القُوَّة العالميَّة التى يملؤها الشعـور بالغَطْرَسَةِ وبحَـقِّ السيطرة على الآخـرين وتسخيرهم لتحقيقِ مصالحها ومنافعها الخاصة، انطلاقًا من الشعور بأنها الحضارة الأرقى والأنقى، وصاحبةُ الحق المطلق فى سيادة الشعوب وقيادتها.

وهذه هى عينُ الذَّرائعُ التى تذرَّع بها الاستعمارُ القديم وبرَّر بها انقضاضه على مقدَّرات الشعوب وثرواتها.

وأنا أيُّها السَّادَة الفُضَلاء مِمَّن يؤمنون بتعارُف الثقافات، وتكاملها وتعاونها، تعلَّمتُ ذلك من القرآن الكريم الذى حفظتُ منه منذ الطفولة أنَّ “التعارف” هو قانون العلاقات بين الأمم والشعوب، وذلك فى الآية التى يعرفها المسلمون وغيرُ المسلمين فى الشرقِ والغرب، وهى قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، كما تعلَّمتُه فى دراستى للتراث العقلى عند المسلمين وتلاقحه مع ثقافات اليونان والهند والفلسفات الدينية فى العصر الوسيط.

ولم يكن يخطر بالبال يومًا أنَّ القرنَ العشرين قرنَ التقدُّم الحضارى، والرُّقى الإنسانى، وقرنَ حقوق الإنسان، ومواثيقِ السَّلام الدوليَّة. سينتهى بظهور نظريَّات ومذاهبَ تمهِّد للحروب بين الشعوب وتبرِّر الصِّراع بين الحضارات، وقد قرعتْ أسماعَنا طويلًا نظرية الصراع الطبقى التى ما لبثت أن تهاوتَ وذهبت أدراج الرياح، و”نظريَّةُ نهاية التاريخ”، ونظريَّة “هنتنجتون” فى صِراع الحضارات، وهى نظريَّات ترتد أصولها إلى أطروحات عُنصرية خالصة، فى مُقدِّمتها: أطروحة ماكس فيبر العالِم السسيولوجى والاقتصادى الألمانى “1864-1920م” الذى مضى على رحيله اليوم قرابة قرن كامل من الزمان.. هذا العالِم أسَّس لنظريته بدعوى تقول: إن “مقارنة الحضارة الغربيَّة بغيرها من الحضارات البشريَّة، تُثبتُ تفرُّد الحضارة الغربيَّة بخصائصَ فريدةٍ فى نوعها، لا يوجد لها نظيرٌ بين سـائر الحضـارات الأخرى، وأن خـصائصَ الحضارةِ الغربيَّة لم تعرفها أيَّةُ ثقافةٍ إنسانيَّةٍ أخرى خارج ثقافة الغرب”.

ثم جاء المُستشرق الشَّهير الإنجليزيِّ الأصل: “برنارد لويس”، ليؤكِّد فى كتابه: “الإسلام”، أنه أوَّلُ مَن أطلَق فِكْرَة: “صِدَام الحضارات” عام 1957م، غداة تأميم مصر لقناة السويس بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتعرُّضِ الشعب المصرلا لحرب العُدوان الثُّـلاثي عام 1956م.. وقد عاد لويس لهذه الفكرة مرَّة أخرى عام 1990م، وهو بِصَدَدِ الحديث عن العالَم العربى والإسلامى ليُؤكِّد من جديدٍ أنَّ أمْرَ الغرب حيال الإسلام هو أمرُ صِدَامِ حضاراتٍ حقيقى وتاريخى، وأنَّ صِدَامَ الغرب لهذا الدِّين بالذَّات ولحضارته من بين سائر الحضارات الأخرى هو فيما يقول: “ردُّ فعل على خصمٍ قديم لتراثنا اليهودى والمسيحى”، ثم يقول: “إنَّ صِدامَ الحضارات هو مَظهر مهم للعلاقاتِ الدوليَّة الحديثة”.

السَّيِّداتُ والسَّـادَة!

أرجو ألَّا يُفهم من كلامى أنى أُنحى باللائمة كلِّها على الغرب وحضارته، ففى الشَّرق أيضًا عيوب وسَلبيَّات، أسهَمَت فى تأكيدِ ظاهِرَة الخوف من الإسلام التى انتَشَرَت مؤخَّرًا بين جماهير الغرب، ومن أخطرِ هذه العيوب هو هذا الصَّمت المريب عن الإرهاب الذى مَكَّنَ للحركات السياسيَّة المسلَّحة من الرَّبطِ بين الإسلام وبين جرائمها الإرهابيَّة، وإطلاقِ أسماءٍ دينيَّة على مُنظَّماتها، استقطبت بها كثيرًا من الشَّباب والشَّابات الذين غرَّهم هذا المظهر الدينى الخادِع.. حتى استَقرَّ فى أذهانِ الغالبيَّة من الأوروبيِّين والأمريكان أنَّ العُنْفَ والإسلام توأمان ورضيعا لِبان لا يُفارِقُ أحدهما الآخر إلَّا ريثما يَلتصِق به من جديد.

حتى بات من الصَّعب توضيحُ الحقيقة للغرب والغربيِّين، وأنَّ هذا الدِّين مختطفٌ بالإكراهِ لارتكاب جرائمَ إرهابيَّة بَشِعة على مرأى ومسمع من أهلِه وذويه والمؤمنين به، وأنَّ المسلمين الذين يوصفون بالعُنف والوحشية هم “دون غيرهم” ضحايا هذا “الإرهاب الأسوَد”، وأن تعقُّبَ أسباب الإرهاب، والبحثَ عن عِلَلِه القُصوى ليس محلُّه الإسلامَ ولا الأديانَ السَّماويَّة، أمَّا محلُّه الصَّحيح فهو الأنظمة العالميَّة التى تُتاجر بالأديانِ والقيمِ والأخـلاقِ والأعرافِ فى أسـواقِ السِّـلاح والتسليح وسياسات العُنصرية البغيضة والاستعمار الجديد.

شُــكْرًا لِحُسْــنِ اسْـتِمَاعكُـم.

والسَّلامُ عَليْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: